عن الدكتور

هو أبو عبد الرحمن سلمان بن نصر بن أحمد الداية، الغزي الفلسطيني.
ولد في غزة في الأول من محـرم سنة ألف وثلاثمـائة وواحـد وثمـانين للهجرة، الموافق الرابع عشر من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وواحد وستين للميلاد
أتم دراسته الجامعية الأولى -البكالوريوس- في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، وأتم دراسته العليا –الماجستير- في الفقه والتشريع في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية بعمان
وحصل على درجةالدكتوراة في الفقه وأصوله في
كلية الشريعة في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان.
قراءة المزيد
  • فضل صلاة الفجر

    الإثنين 14 ربيع الثاني 1439 - 01-01-2018

[ عدد المشاهدات: 2987]

فضل صلاة الفجر

 فَضْلُ صَلَاةِ الْفَجْرِ

أ.د. سلمان الداية- عميد كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية بغزة

إِنَّ الصَّلَاةَ عِمًادُ الدِّينِ، وَعِصَامُ الْيَقِينِ، وَسَيِّدَةُ الْقُرُبَاتِ، وَثَمَرَةُ الطَّاعَاتِ، بِهَا تُمْحَى السَّيِّئَاتُ، وَتُنَارُ الظُّلُمَاتُ، وَتُنَالُ الْجَنَّاتُ، وَتَعْلُو الدَّرَجَاتُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:9-11]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [الْمَعَارِجُ:34- 35].

وَهِيَ مَفْزِعُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةُ:153].

وَخَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتُ، وَخَيْرُ الْمَكْتُوبَاتِ صَلَاةُ الْفَجْرِ، بِهَا يَبْرَأُ الْمَرْءُ مِنَ النِّفَاقِ، وَبِقَدْرِ حَظِّهِ مِنْهَا يَكُنْ حَظُّهُ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَهَنِيئَاً لِمَنْ كَانَتْ رَبِيعَاً لِقَلْبِهِ، وَقُرَّةً لِعَيْنِهِ، وَجِلَاءً لِحُزْنِهِ، وَذَهَابَاً لِغَمِّهِ، وَمَفْزِعَاً لَهُ فِي النَّائِبَاتِ.

وَلَمَّا تَكَاسَلَ عَنْهَا الْأَكْثَرُونَ؛ أَحْبَبْتُ أَنْ أُذَكِّرَ النَّاسَ بِأَجْرِهَا؛ رَجَاءَ أَنْ تُغْرَى بِهَا قُلُوبُهُمْ، وَتَثُورَ بِهَا عَزَائِمُهُمْ، وَإِلَيْهَا يُبَادِرُونَ.

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا:

عَنْ عَائِشَةَ ▲ عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا). [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيْحُهُ]. أَيْ: إِنَ نَعِيمَ ثَوَابِ رَكْعَتَيْ نَافِلَةِ الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ نَعِيمِ الدُّنْيَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ نَعِيمَ ثَوَابِهِمَا بَاقٍ، وَنَعِيمُ الدُّنْيَا فَانٍ، فَضْلَاً عَنْ كَوْنِهِ لَا يَخْلُو عَنْ كَدَرِ النَّصَبِ وَالتَّعَبِ.

وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي شَأْنِ رَكْعَتَيْ نَافِلَةِ الْفَجْرِ؛ فَكَيْفَ بِرَكْعَتَيْ الْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَعْظَمُ وَأَنْفَعُ.

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ:

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الْإِسْرَاءُ:78].

أَيْ: إِنَّ مَا يُتْلَى مِنَ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ تَحْضُرُهُ مَلَائِكَةُ الْلَّيْلِ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ وَتَشْهَدُهُ؛ فَزَادَ ذَلِكَ فِي فَضْلِهَا وَبَرَكَتِهَا؛ يُؤَكِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ). [أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا].

فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْحَافِظِينَ يَأْتُونَ طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، لِيَشْهَدُوا عَلَى أَعْمَالِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ r، وَهُوَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكْرِمَةٍ لَهُمْ أَنْ جَعَلَ اجْتِمَاعَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُمْ وَمُفَارَقَتُهُمْ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ عِبَادَاتِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ فَيَكُونُ شَهَادَتُهُمْ لَهُمْ بِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْخَيْرِ. [أَفَادَهُ النَّوَوِيُّ/شَرْحُهُ عَلَى مُسْلِمٍ].

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ♫: وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى عِظَمِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لِكَوْنِهِمَا تَجْتَمِعُ فِيهِمَا الطَّائِفَتَانِ وَفِي غَيْرِهِمَا طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْإِشَارَةُ إِلَى شَرَفِ الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الرِّزْقَ يُقَسَّمُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ آخِرَ النَّهَارِ فَمَنْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي طَاعَةٍ بُورِكَ فِي رِزْقِهِ وَفِي عَمَلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [ابْنُ حَجَرٍ/ فَتْحُ الْبَارِيِّ (2/ 37)].

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ مَحَّاءَةٌ لِلذُّنُوبِ:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ t قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ r شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ rرَجُلًا دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هُودُ:114] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: (بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً). [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيحُهُ].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْقِيَامِ.

وَقَوْلُهُ: (أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) أَيْ: دُونَ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.

وَقَوْلُهُ: (عَالَجْتُ امْرَأَةً وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) مَعْنَى عَالَجَهَا أَيْ: تَنَاوَلَهَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا، وَمَعْنَاهُ: اسْتَمْتَعْتُ بِهَا بِالْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الاسْتِمْتَاعِ إِلَّا الْجِمَاعَ.

قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ ♫: وَالْمَقْصُودُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ أَوَّلَ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِ إِذَا أَصْبَحَ وَهِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَآخِرَ أَعْمَالِهِ إِذَا أَمْسَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ لِتَكُونَ السَّيِّئَاتُ الْحَاصِلَةُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مَمْحُوَّةً بِالْحَسَنَاتِ الْحَافَّةِ بِهَا. [ابْنُ عَاشُورٍ/ التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ(12/ 179)].

يُؤَكِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ t قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r: (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ). [حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ/سُنَنُهُ].

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ بَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ r: (أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ). [أَخْرَجَهُ مُعَلَّقَاً: الْبُخَارِيُّ/صَحِيحُهُ].

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ♫: إنَّمَا كَانَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. لِقُوَّةِ الدَّاعِي إلَى تَرْكِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِيهِمَا، وَقُوَّةِ الصَّارِفِ عَنْ الْحُضُورِ، أَمَّا الْعِشَاءُ: فَلِأَنَّهَا وَقْتُ الْإِيوَاءِ إلَى الْبُيُوتِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَهْلِ، وَاجْتِمَاعِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَطَلَبِ الرَّاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّعْيِ بِالنَّهَارِ. وَأَمَّا الصُّبْحُ: فَإِنَّهَا فِي وَقْتِ لَذَّةِ النَّوْمِ. فَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ فَفِي وَقْتِ شِدَّتِهِ، لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالشَّمْسِ، لِطُولِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْحَرِّ: فَهُوَ وَقْتُ الْبَرْدِ وَالرَّاحَةِ مِنْ أَثَرِ حَرِّ الشَّمْسِ لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِهَا. فَلَمَّا قَوِيَ الصَّارِفُ عَنْ الْفِعْلِ ثَقُلَتْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ: فَهُوَ عَالِمٌ بِزِيَادَةِ الْأَجْرِ لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمُورُ دَاعِيَةً لَهُ إلَى هَذَا الْفِعْلِ، كَمَا كَانَتْ صَارِفَةً لِلْمُنَافِقِينَ. [إِحْكَامُ الْأَحْكَامِ(1/193)].

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ حِصْنٌ وَعَافِيَةٌ مِنَ الشُّرُورِ:

عَنْ جُنْدَبِ بنِ عَبْدِ اللهِ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ). [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيحُهُ].

قَالَ النَّوَوِيُّ ♫: "الذِّمَّةُ هُنَا: الضَّمَانُ، وَقِيلَ: الْأَمَانُ". [النَّوَوِيُّ/ شَرْحُهُ عَلَى مُسْلِمٍ(5/158)].

وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ؛ فَهُوَ فِي حِفْظِ اللهِ وَضَمَانِهِ، فَلَا يَكَادُ يَخْلُصُ إِلَيْهِ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ الَّذِي هُوَ أَجَلُّ نِعْمَةٍ، وَأَحْسَنُهَا.

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ يُغْرِي أَجْرُهَا الْقُلُوبَ عَلَى شُهُودِهَا وَلَوْ حَبْواً:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (...وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا). [أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا].

أَيْ: لَوْ كُشِفَ الْحِجَابُ عَنْ عَظِيمِ أَجْرِ صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ؛ لَتَعَالَى الْمُؤْمِنُ عَلَى أَوْجَاعِهِ وَأَعْذَارِهِ، وَمَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ وَلَوْ حَبْوَاً عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، أَوْ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.  

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ إِلَى الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ يَعْدِلُ أَجْرَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ:

عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ). [حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ/سُنَنُهُ].

قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ) أَيِ: اسْتَمَرَّ فِي مَكَانِهِ وَمَسْجِدِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، فَلَا يُنَافِيهِ الْقِيَامُ لِطَوَافٍ أَوْ لِطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ مَجْلِسِ وَعْظٍ فِي الْمَسْجِدِ.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ، وَيَخْرُجَ وَقْتُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ هِيَ أَوَّلُ الضُّحَى.

وَقَوْلُهُ: (كَانَتْ) أَيِ: أَجْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَيْنُونَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ؛ أَيْ: بَقَاءُ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ تِلْكَ الْأَوْصَافِ كُلِّهَا (لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) كَرَّرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وهي صِفَةٌ لِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَقِيلَ: أَعَادَ الْقَوْلَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالتَّمَام.ِ [الْقَارِيُّ/ مِرْقَاةُ الْمَفَاتِيحِ(2/ 770)].         

 

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ تَعْدِلُ أَجْرَ قِيَامِ الْلَّيْلِ:

عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: (مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ). [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيحُهُ].

دَلَّ الْحَدِيثُ: عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ، وَغَلَّبَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ عَلَى رَاحَةِ بَدَنِهِ؛ حَازَ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَامَ الْلَّيْلَ كُلَّهُ، بَلْ إِنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ جَمَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ الْلَّيْلِ؛ لِأَثَرِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t فَوَجَدَ عِنْدِي رَجُلَيْنِ نَائِمَيْنِ، فَقَالَ: «وَمَا شَأْنُ هَذَيْنِ مَا شَهِدَا مَعِي الصَّلَاةَ؟» قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّيَا مَعَ النَّاسِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَزَالَا يُصَلِّيَانِ حَتَّى أَصْبَحَا، وَصَلَّيَا الصُّبْحَ، وَنَامَا، فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ لَيْلَةً حَتَّى أُصْبِحَ». [أَخْرَجَهُ: عَبْدُ الرَّزَاقِ/مُصَنَّفُهُ].

 

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ نُورُهَا تَامٌّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: (...وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا). [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيحُهُ].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ¶ عَنِ النَّبِيِّ r أَنَّهُ: ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: (مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا؟ كَانَتْ لَهُ نُورًا، وَبُرْهَانًا، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ). [حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ: أَحْمَدُ/مُسْنَدُهُ].

وَصَلَاةُ الْعَتَمَةِ: هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَنُورُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَامٌّ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). [صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ: أَبُو دَاودُ/سُنَنُهُ].

وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ تَمَامِ النُّورِ: التَّلْمِيحُ إِلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التَّحْرِيمُ:8].

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ:

عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: (لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. [أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ/صَحِيحُهُ].

قَوْلُهُ: (لَنْ يَلِجَ) أَيْ: لَنْ يَدْخُلَ (النَّارَ أَحَدٌ) وَالنَّفْيُ قَدْ يُصْرَفُ إِلَى أَصْلِ التَّعْذِيبِ، أَوْ إِلَى تَّأْبِيدِ التَّعْذِيبِ.

وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ؛ نَجَى مِنَ النَّارِ، أَوْ لَمْ يُخَلَّدْ فِيهَا.

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ جَزَاؤُهَا الْجَنَّةُ:

عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: (مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ). [أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا].

الْبَرْدَانُ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ؛ لِأَ‌َّن صَلَاةَ الْفَجْرِ تَقَعُ فِي أَبْرَدَ مَا يَكُونُ مِنَ الْلَّيْلِ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ تَقَعُ فِي أَبْرَدَ مَا يَكُونُ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ.

 وَقَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ)أَيْ: عَلَى مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَحَافَظَ عَلَى ذَلِكَ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ♫: وَأَشَقُّ الصَّلَوَاتِ: صَلَاةُ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ؛ لأَنَّهَا وَقْتُ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْمَعَاشِ وَالتَّكَسُّبِ. [إِحْكَامُ الْأَحْكَامِ(1/172)].

 

 

۞صَلَاةُ الْفَجْرِ يُكْرَمُ صَاحِبُهَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

عَنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ t قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ r فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي البَدْرَ- فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ [ق: 39]. [أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا].

قوله: (لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) أَيْ: لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ فَتَتَزَاحَمُونَ، كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ. يُرِيدُ: أَنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي مَكَانِهِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ يُرْجَى نَيْلُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ. [الْخَطَّابِيُّ/ أَعْلَامُ الْحَدِيثِ (1/431)].

وَبَعْدُ: فَإِنِّي أَسْاَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ؛ آمِينَ.

أضف تعليق