عن الدكتور

هو أبو عبد الرحمن سلمان بن نصر بن أحمد الداية، الغزي الفلسطيني.
ولد في غزة في الأول من محـرم سنة ألف وثلاثمـائة وواحـد وثمـانين للهجرة، الموافق الرابع عشر من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وواحد وستين للميلاد
أتم دراسته الجامعية الأولى -البكالوريوس- في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، وأتم دراسته العليا –الماجستير- في الفقه والتشريع في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية بعمان
وحصل على درجةالدكتوراة في الفقه وأصوله في
كلية الشريعة في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان.
قراءة المزيد
  • دور العلماء في تطويق الفتنة

    الأربعاء 27 ذو الحجة 1440 - 28-08-2019

[ عدد المشاهدات: 2028]

دور العلماء في تطويق الفتنة

دور العلماء في تطويق الفتنة

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

دور العلماء في تطويق الفتنة

 

 

 

إِنَّ الْعُلَمَاءَ أَقْمَارُ الْأُمَّةِ وَضِيَاؤُهَا، وَعَافِيَتُهَا وَشِفَاؤُهَا، بِعِلْمِهِمْ يَتَقَرَّرُ أَسَاسُهَا وَكَيَانُهَا، وَهُمْ سِيَاجُ سَلَامَتِهَا مِنَ الْفِتَنِ الْعَاتِيَةِ، وَتَتَهَيَّأُ بِهِمْ أَسْبَابُ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ وَأَمْجَادُهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى اسْتَخْلَفَ آدَمَ فِيْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ وَجَهِلَهَا الْآخَرُونَ، فَكَانَ الْأَجْدَرَ بِالْخِلَافَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[البقرة: 30 - 33].

 

وَفِي هَذَا مَوْعِظَةٌ لِلْأُمَّةِ أَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَرْقَى إِلَى مَقَامِ الْعِزِّ، وَذِرْوَةِ الشَّرَفِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَرْكَبَ صَهْوَةَ الْعِلْمِ الْمُؤَيَّدِ بِالْعَمَلِ، فِإِنَّهُ سَبِيلُهَا الْأَوْحَدُ إِلَى الْعَلْيَاءِ، وَبِدُونِهِ تَبْقَى ضَعِيْفَةَ الْهِمَّةِ، مَقْتُولَةَ الطُّمُوحِ، تَقْنَعُ بِالدُّونِ، وَتَرْضَى بِالصَّغَارِ.

 

إِنَّ الْعُلَمَاءَ حُرَّاسُ الدِّينِ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ الْمُجْتَبَى صلى الله عليه وسلم فعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ , يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ , وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ , وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ) [1].

 

وَإِذَا قَامَ الدِّينُ فِيْ الْأُمَّةَ تَنَسَّمَتْ عَبِيْرَهُ الْفَيَّاحَ، وَنَجَحَتْ مَصَالِحُهَا فِيْ كُلِّ سَاحٍ، وَأَكَلَتْ مِنْ فَوْقِهَا، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهَا، وَتُعُجِّلَ لَهَا خَيْرُ الدُّنْيَا، وَمَا هُوَ مَدْخُوْرٌ لَهَا فِيْ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَبْقَى

 

فَلَوْلَا الْعِلْمُ مَا سَعِدَتْ نُفُوسٌ ... وَلَا عُرِفَ الْحَلَالُ وَلَا الْحَرَامُ

 

فَبِالْعِلْمِ النَّجَاةُ مِنَ الْمَخَازِي ... وَبِالْجَهْلِ الْمَذَلَّةُ وَالرَّغَامُ

 

هُوَ الْهَادِي الدَّلِيلُ إِلَى الْمَعَالِي ... وَمِصْبَاحٌ يُضَاءُ بِهِ الظَّلَامُ [2].

 

وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ، بَلْ هُوَ الْقَصْدُ مِنَ الدِّرِاسَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ نَجَاةُ الْأُمَّةِ مِنَ الْفِتَنِ، فَبِهِمْ تُغْلَقُ ذَرَائِعُهَا، وَبِهِمْ تُدْفَعُ شُبُهَاتُهَا وَيُطَارَدُ دُعَاتُهَا، وَبِهِمْ يُوأَدُ كَيَانُهَا، وَيَتَحَقَّقُ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالسَّلَامُ.

 

وَلَقَدْ دَعَانِي بَعْضُ أَحِبَّتِيْ أَنْ أُجَلِّيَ الْقَوْلَ عَنْ دَوْرِ الْعُلَمَاءِ فِي تَطْوِيقِ الْفِتْنَةِ وَوَأْدِهَا، فَبَادَرْتُ مُلَبِّيَاً، وَأَحْصَيْتُ أَشْهَرَ جُهُودِ الْعُلَمَاءِ فِيْ ذَلِكَ، فَرَأَيْتُهَا أَحَدَ عَشَرَ، إِلَيْكَ بَيَانَهَا:

 

 

 

أَوَّلَاً: تَصَدُّرُهُمُ النَّاسَ فِيْ مُوَاجَهَةِ الْفِتَنِ، وَدَفْعِ شُبَهِ الْمَفْتُوْنِيْنَ:

 

إِنَّ الْعَالِمَ أَوْفَرُ النَّاسِ خَشْيَةً مِنَ اللهِ، وَأَحَظُّهُمْ نَصِيبَاً مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ، وَأَقْدَرُهُمْ فِي إِبْدَاءِ الْحُجَّةِ، وِإِلْزَامِ الْخُصُومِ، وَتَطْوِيقِ الْفِتْنَةِ، فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَتَصَدَّرَ النَّاسَ فِيْ مُوَاجَهَةِ الْفِتَنِ، وَرَدِّ شُبُهَاتِ الْفِكْرِ، وَدَفْعِ عَوَائِدِ الْكَافِرِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِيْ الدِّيْنِ.

 

قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].

 

أَفَادَتْ الْآيَةُ:أَنَّ دَهْمَاءَ النَّاسِ، إِذَا حَصَلَ لَهُمُ الْأَمْنُ، أَوْ ابْتُلُوا بِالْخَوْفِ، لَمْ يُحْسِنُوا تَقْدِيرَ مَا يَحْفَظُ لَهُمُ السِّلْمَ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الْخَوْفَ، وَإِنَّ أَقْدَرَ النَّاسِ فِيْ فَهْمِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُمُ الْعُلَمَاءُ، فَلَوْ رُدَّ الْأَمْرُ إِلَيْهِمْ لَعَلِمُوا مِنْه مَا يُصْلِحُ وَمَا يُفْسِدُ.

 

وَإِلَيْكَ بَعْضَ الصُّوَرِ الْمُشْرِقَةِ فِيْ مُوَاجَهَةِ الْعُلَمَاءِ لِلْفِتَنِ، نَبْدَؤُهَا بِمَوْقِفِ حَبْرِ الْأُمَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اجْتَمَعُوا فِي دَارٍ، وَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ، أَتَيْتُ عَلِيًّا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَأُكَلِّمُهُمْ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ. قُلْتُ: كَلَّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ وَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَمِيلًا جَهِيرًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَتَيْتُهُمْ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي دَارِهِمْ، قَائِلُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ، لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَىَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 32] قَالُوا: فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، لِأُبَلِّغَكُمْ مَا يَقُولُونَ الْمُخْبَرُونَ بِمَا يَقُولُونَ فَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْوَحْيِ مِنْكُمْ، وَفِيهِمْ أُنْزِلَ: وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُخَاصِمُوا قُرَيْشاً، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَتَيْتُ قَوْمًا لَمْ أَرْ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ مُسْهِمَةٌ وجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، كَأَنَّ أَيْدِيَهِمْ وَرُكَبَهُمْ تُثَنَّى عَلَيْهِمْ، فَمَضَى مَنْ حَضَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُكَلِّمَنَّهُ وَلَنَنْظُرَنَّ مَا يَقُولُ. قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: ثَلَاثًا. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57] وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحُكْمِ؟ فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِي قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ. قُلْتُ: هَذِهِ اثْنَتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رَدَّ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ فِي أَرْنَبٍ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: قال تعالى:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾إِلَى قَوْلِهِ:   ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾[المائدة: 95] فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ، أَمْ حُكْمُهُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ؟، وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ عز وجل:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾[النساء: 35] فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَأْمُونَةً، أَخَرَجْتُ عَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أَمَّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] فَأَنْتُمْ تَدْورُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ أَيُّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا، صِرْتُمْ إِلَى ضَلَالَةٍ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، وَأُرِيكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: (اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ)، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ، وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ[3].

 

  وعن يَزِيدَ الْفَقِيرِ، قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192] وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾[السجدة: 20]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: «أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ عليه السلام - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ -؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ»، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، - قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ - قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: -يَعْنِي- فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قَالَ: «فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ»، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَرَجَعْنَا فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ[4].

 

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِيْ حَقِّ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:"كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ بِنَا الْخَوْفُ وَسَاءَتْ مِنَّا الظُّنُوْنُ، وَضَاقَتْ بِنَا الْأَرْضُ أَتَيْنَاهُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نّرَاهُ وَنَسْمَعَ كَلَامَهُ، فَيَذْهَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيَ