عن الدكتور

هو أبو عبد الرحمن سلمان بن نصر بن أحمد الداية، الغزي الفلسطيني.
ولد في غزة في الأول من محـرم سنة ألف وثلاثمـائة وواحـد وثمـانين للهجرة، الموافق الرابع عشر من شهر يونيو سنة ألف وتسعمائة وواحد وستين للميلاد
أتم دراسته الجامعية الأولى -البكالوريوس- في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، وأتم دراسته العليا –الماجستير- في الفقه والتشريع في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية بعمان
وحصل على درجةالدكتوراة في الفقه وأصوله في
كلية الشريعة في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان.
قراءة المزيد
  • باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

    الأحد 23 ربيع الأول 1437 - 03-01-2016

[ عدد المشاهدات: 2291]

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم  هو الغلو في الصالحين

 بسم الله الرحمن الرحيم

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم

هو الغلو في الصالحين

 

جعل المصنف هذا الباب في بيان بعض الأدلة الشرعية التي تفيد أنَّ سبب كفر ولد آدم هو الغلو في الصالحين.

والسبب في اللغة: ما يُتوصل به إلى غيره، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:

15] أي: بحبل؛ لأن الحبل مستعمل في معنى السبب.

والسبب عند الأصوليين هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.

 

وقوله: (بني آدم) مستعملٌ على الحقيقة العرفية، أي في القبيلين الذكور والإناث.

وقوله (الغلو) في اللغة: المجاوزة والارتفاع.

وفي الاصطلاح: مجاوزة الحد بأن يُزاد في حَمْدِ الشيء أو ذمه [1].

أو هو: المجاوزة في حدِّ الشرع بقولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد [2].

 

وقوله (الصالحين) هم الذين أَدَّوا التكليف على موافقة الشرع.

والغلو مذمومٌ كله؛ لأنه مجاوزةٌ ، وارتفاعٌ على طريقة الشرع بِقَصْدِ القُرْبَى سَوَاءٌ كَانَ بِإِحْدَاثِ أَمْرٍ غَيْرِ حُكْمِ الشَّرْعِ، أَوْ بِتَرْكِ حُكْمِ الشَّرْعِ، أَوْ بِإِحْدَاثِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ، إِذَا كَانَ َذلِكَ كُلُّهُ مُجَرَّداً عَنْ الدَّلِيلِ، أَوْ قَامَ فِيهِ دَلِيلٌ يَمْنَعُهُ.

 

وَعَلَى ضَوْءِ ذَلِكَ يَكُوْنُ الْغُلُوُّ مِنْ الْكَبَائِرِ المُهْلِكَةِ، لِأَنَّهُ تَعَدٍّ عَلَى حَقِّ اللهِ وَحُدُودِ شَرْعِهِ، قَالَ تَعَالَىْ : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْـلُوا فِي دِينِـكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ ﴾[3].

 

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلّم كَانَ يَقُولُ : (لاَ تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِى الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ) [4].

 

من فوائد الحَدِيْثِ المَنْعُ مِنْ التَّشَدُّدِ بِزِيَادَةِ فِعْلٍ أَوْ بِتَرْكِهِ، وإلزام النفس به بِعَهْدٍ أَوْ بِنَذْرٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيْلٍ مِنَ الشَّرْعِ، فَيَصِيْرُ بِنَذْرِهِ لَازِماً، وَيَكُوْنُ المرءُ وَالحَاْلَةُ هَذِهِ قَدْ ضَيَّعَ الحُقُوقَ الوَاجِبَةَ عَلَيْهِ تِجَاهَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، فَتَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ، وَيَبْقَى وَحِيْداً لَا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ. 

 

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلاَ تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ الله، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ، وَلاَ ظَهْرًا  أَبْقَى)[5].

 

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي يَضِلُّ رُفْقَتَهُ فِي الصَّحْرَاءِ المُهْلِكَةِ، وَتَمُوتُ دَابَّتُهُ، يَفَقِدُ أَسْبَابَ السَّلَامَةِ، وَتَكْتَنِفُهُ أَسْبَابُ الهَلَكَةِ، وَذَلِكَ مَثَلُ الغَالِي، فإنه مُهْلِكٌ نَفْسَهُ، بِحِرْمَانِهَا يُسْرَ الاعْتِدَالِ، وَخَيْرَ الوَسَطِ، وَرِعَايَةَ الحُقُوقِ، وَطُوْلَ العُمْرِ، وَعِظَمَ الأَجْرِ.

 

وأقبح الغلو ما كان في التوحيد، ولقد أتى المصنف بهذا الباب حذرًا من الجنوح إلى الغلو في التوحيد، سيما في إطراء الصالحين وتعظيمهم.

 

وذكر في الباب جملة من الأدلة بدأها بـــــ:

قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: 171].

خطابٌ إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى: لا تجاوزوا الحد في أمر عيسى عليه السلام، فلا تحطوه عن منزلته، ولا ترفعوه فوق قدره، ولا تقولوا مفترين على الله إلا الحق الثابت القائم على الدليل المقنع، لا على الوهم البعيد. ما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله أرسله الله بالحق، وخلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، بقوله «كُنْ»، فكان بشرًا من غير أبٍ ولا واسطة أوْصَلَها إلى مريم، وروح بتخليقه وتكوينه من غير توسيط سُلالة بشريَّة، ونطفة تتشكَّل إنسانًا، وإذا كان الحق في عيسى عليه السلام، أنه رسول الله، وأنَّ الله سبحانه خلقه من غير طريق الأسباب المعتادة، فصدِّقوا -يا أهل الكتاب- بوحدانيَّة الله، وصدقوا رسل الله الذين سبقوا عيسى، والرسول الذي جاء من بعده، ولا تكفروا بأحد منهم، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكَيْن، انتهوا عن هذا القول الفاسد الباطل، يكن الانتهاء خيرًا لكم؛ لأنكم تخرجون من حَيْرة الأوهام إلى تفكير العقول، وتدركون الحق وتذعنون إليه، وتكونون مؤمنين بالمسيح حقًا وصدقًا، ما الله سبحانه إلا إله واحد، تَنَزَّه أن يكون له ولد، له تعالى ملك السماوات والأرض، وَمَنْ فيهما وما فيهما عبيدُهُ ومُلكه، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ وكَفَى باللهِ وكيلًا قائمًا بأمور عباده، وبتحصيل ما يحتاجون إليه، مّنْ توكَّل عليه كفاه، ومن استغنى به أغناه عمَّا سواه.

 

وفي الآية تحذيرٌ من الغلوِّ في الدين، وهو تَجَاوز الحدود الشرعية؛ لأنَّ الغلوَّ يُوقع صاحبه في مخالفة الشرع، وهو يحسب أنه يُحسن صنعًا، وقد يوقع الغلو صاحبه في الكفر كما حصل لليهود والنصارى في عيسى عليه السلام. فاليهود تجاوزوا الحدود الشرعيَّة في عيسى، واتَّهموا أمه بالفاحشة، والنصارى تجاوزوا الحدود الشرعيَّة غُلوًّا منهم بعيسى، فجعلوه وأمه إلهَيْن مع الله عز وجل[6].

 

وقال السعدي رحمه الله: "ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك"[7].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم كالخوارج المارقين من الإسلام، الذين خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقاتلهم حين خرجوا على المسلمين بأمر النبي صلى الله عليه وسلّم كما ثبت ذلك من عشرة أوجه في "الصحاح" و "المسانيد" وغير: ذلك، وكذلك من غلا في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة.

 

وقال أيضًا: فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم من انتسب إلى الإسلام، وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك، بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، ولكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق. وهو قول أكثر العلماء"[8].

 

ثم أورد المصنف حديثًا:

في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.

قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا; أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم; عبدت. [أخرجه: البخاري].

 

وَيَحْسُنُ أن نأتي بالآية التي قبلها والآية التي بعدها، فإنه أعون في بيان كمال المعنى.

قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ، وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: 21 - 24].

 

وجاء في تفسيرها: "أن نوحًا شكى معصية قومه لله: يقول: ربِّ إنهم لم يُجيبوا دعوتي، وإنَّ قومي اتَّبعوا كبراءهم وساداتهم الذين لم تزدهم كثرة المال والولد إلا طغيانهم وفسادهم، فانتهوا إلى خسار فوق الخسار الذي حصل لهم بكفرهم، فتحملوا إثم ضلال9 أنفسهم، وإثم الأعمال التي أضلُّوا بها أتباعهم.

 

واحتال الرؤساء والقادة احتيالًا كبيرًا عظيمًا، بتحريش  السَّفلة على أذى نوح، وصدِّ الناس عن الإيمان به، والاستماع منه.

وقال هؤلاء القادةُ لأتباعهم: لا تَتْرُكُنَّ عبادة آلهتكم إلى عبادة الله وحده، ولا تَتْرُكُنَّ أعظم الأصنام الخمسة عندكم: ودًا، ولا سُوَاعًا، ولا يَغُوثَ، وَيَعُوقَ، ونَسْرًا، وقد أضلَّ كبراءُ قوم نوح إضلالًا كثيرًا بتأثيرهم على أتباعهم، وأضلُّوا كثيرًا من الناس، وهدّدونا بالرجم، ولا تَزِدِ يا ربنا- هؤلاء الظالمين لأنفسهم بالكفر والعناد الذي يودُّون قتلنا للتخلُّص منا إلا هلاكًا"[9].

 

ولفظ الأثر عند البخاري: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاَعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ»[10].

 

ورواه ابن جريرٍ بإسناده: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23] قَالَ: كَانُوا قَوْمًا صَالِحَيْنَ مِنْ بَنَى آدَمَ، وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ، فَصَوَّرُوهُمْ، فَلَمَّا مَاتُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ فَعَبَدُوهُمْ .

 

وعن عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشْرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ آخَرُونَ: هَذِهِ أَسْمَاءُ أَصْنَامِ قَوْمِ نُوحٍ [11].

 

وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ود أكبرهم وأبرهم به، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: اشْتَكَى آدَمُ عليه السلام وَعِنْدَهُ بَنُوهُ: وَدٌّ وَيَغُوثُ وَسُوَاعٌ وَنَسْرٌ، وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ [12] .

 

وعَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن ربيعَة رئي من الْجِنّ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: أجب أَبَا ثُمَامَة وادخل بِلَا ملامة، ثمَّ ائت سيف جدة تَجِد بهَا أصنامًا معدة، ثمَّ أوردهَا تهَامَة وَلَا تهب، ثمَّ ادْع الْعَرَب إِلَى عبادتها تجب. قَالَ: فَأتى عَمْرو سَاحل جدة فَوجدَ بهَا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي عبدت على عهد نوح وَإِدْرِيس، ثمَّ إِن الطوفان طرحها هُنَاكَ فسقى عَلَيْهَا الرمل فاستثارها عَمْرو، وَخرج بهَا إِلَى تهَامَة، وَحضر الْمَوْسِم، فَدَعَا إِلَى عبادتها فَأُجِيب. قَالَ ابْن حجر: وَعَمْرو بن ربيعَة هُوَ عَمْرو بن لحي [13].

 

قال الشيخ سلمان آل الشيخ: وهو سيد خزاعة، وكان أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم عليه السلام. وكانت العرب قبله على دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك، كما روى ابن جرير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ: «يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِهِ مِنْكَ» ، فَقَالَ أَكْثَمُ: أَخْشَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «لَا، إِنَّكَ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ»[14].

 

وفي الصحيحين عن أَبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ»[15][16].

 

قلتُ: لم يذكُر المصنفُ رحمه الله أثر ابن عباسٍ رضي الله عنهما اعتباطًا، بل ذكره؛ ليكونَ مثالاً واعظًا من أمثلة الغلو التي دَمَغَتْ معاني التوحيد بالشرك ودرست الإيمان بالكفر، ألا ترى أن الشيطانَ لعبَ بعقولِ الناس يومئذٍ بسبيل النصح الكاذب والوعظِ الماكر، حيثُ ذكر للناسِ أسماءَ الصلحاءِ والأتقياءِ من الآباء الذين صدقوا وأخلصوا وعملوا وجدُّوا، فتميَّزوا بين الناسِ بحسنِ السيرةِ والاجتهاد في الطاعة، وكان لهم حضورٌ في قلوب المؤمنين، وذكرٌ حسنٌ على ألسنتهم، فلمَّا ماتوا قامَ الشيطانُ في الناسِ بلسانِ الناصح الأمين والداعي الوفي، يقول في الناس: هؤلاء آباؤكم الذين تميزوا فيكم صلاحًا قد هلكوا، فلو أنكم اتخذتم لهم التصاوير والنُّصُبَ، فإنه أعون على بقاء حضورهم في القلب، وما كانوا عليه من اجتهادٍ في الطاعة، فيحملكم ذلِكَ على حسنِ التأسي بهم والاقتداءِ بفعالهم، فقبلوا منهم ذلك، وحسبوه نصحًا نافعًا، ومضوا على ذلك، وذلك قول ابن عباسٍ حكايةً عن الشيطان (أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا).

 

وأما قوله: (فلم تُعبد) لأنَّ الناس ما زالوا على فهمٍ لحقيقةِ هذه التصاوير، وحقيقةِ من اتخذت لهم، وأنهم هم الذين صنعوها ظنًّا منهم أنها تُذَكِّرُهُمْ نهم آبائهم الصالحين في العبادة، فمنعهم كل ذلِكَ مِنْ أن يقعوا في الشرك، ولا يخفى أنهم صنعوا أسبابه وهم لا يعلمون.

 

قوله: (حتى إذا هلك أولئك، ونُسِيَ العلمُ عُبِدَتْ) أي: لمَّا ماتَ شُهداءُ ذلك الواقعِ، وقامَ الأبناءُ والأحفادُ مِنْ بعدِهِم والتصاويرُ والأنصابُ حاضرةٌ ظاهرة لم يشكُّوا أنَّ تلكَ التصاوير من تُرَاثِ الآباءِ والأجدادِ، وأَنَّ حضورَهَا لا يتنافى مع جَوْهَرِ الدِّين، وقد حصَّلَ ذلِكَ لَهُمْ ثقةً بِمَا كانَ عليْهِ أسلافُهُم مِنَ الإيمانِ والعِلْمِ، فلاحتْ عندئذٍ فرصةُ الشيطان؛ ليستزلَّهُمْ عن سبيلِ الهُدَى والرشاد سيما وقد أَمِنَ أن شُهداءَ الواقعِ قد هلكُوا، واطمأنَّ من نُضُوبِ العِلْمِ عند هؤلاءِ الأحداث وفُشُوِّ الجَهْلِ فيهِم، وأيقن عند ذلِكَ أنَّهُ إذا كذبَهُمْ بثوبِ الوَعْظِ وجدَ عندَهُمْ التصديقَ والقَبُول، فبادرَ يَهْتِفُ فيهِمْ: إنَّ آباءكُمْ كانوا يعبُدونَ هذه الأنصاب والتصاوير، وكانوا يجدونَ بركة ذلِكَ في وجوهِ النِّعَمِ، فقَبِلَ الحُدَثاءُ منه، وعبدُوا تلك التصاوير، وكان ذلك أوَّل شركٍ في الدنيا.

 

وثمة فوائد نفيسةٌ غالية سطَّرها المصنِّفُ الشيخ المبدعُ محمد بن عبد الوهاب ♫ قَدْ نسلها من هذا الأثر برسوخِ علمٍ ونورِ بصيرة، وهاك جُلَّهَا:

منها: أن من فهم هذا الباب وما بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه القلوب العجب.

 

ومنها: معرفة أن أول شرك حدث في الأرض بشبهة محبة الصالحين.

ومنها: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء.

ومنها: معرفة سبب قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تنكرها.

 

ومنها: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا فظن من بعدهم أنهم أرادوا غيره.

ومنها: معرفة جبلة الإنسان في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.

 

ومنها: أن فيها شاهدًا لما نقل عن بعض السلف أن البدعة سبب للكفر، وأنها أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.

ومنها: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.

 

ومنها: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.

ومنها: مضرة العكوف على قبر لأجل عمل صالح.

ومنها: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.

 

ومنها: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.

ومنها: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك

ومنها: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده.

 

ومنها: أن سبب فقد العلم موت العلماء. انتهى بمعناه.

ومنها: شدة حاجة الخلق بل ضرورتهم إلى الرسالة، وأن ضرورتهم إليها أشد وأعظم من ضرورتهم إلى الطعام والشراب.

 

ومنها: الرد على من يقدم الشبهات التي يسميها عقليات على ما جاء من عند الله، لأن ذلك الذي أوقع المشركين في الشرك.

ومنها: مضرة التقليد وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام [17].

 

وقد أورد المصنف لابن القيم كلامًا في هذا المعنى، قال:

وقال ابن القيم: " قال غير واحد من السلف: لما ماتوا; عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".

 

ثم أورد المصنف بعد ذلِكَ جملةً من الأحاديثِ في خطرِ الغُلُوِّ، وقبيحِ أثرِهِ على الدينِ، بدأها بحديثِ عُمر رضي الله عنه فقال:

وعن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» [أخرجه: البخاري/ صحيحه (3445 ) (4/ 167)].

 

في الحديث فوائدُ:

الأولى: قوله: (لاَ تُطْرُونِي) الإطراء في اللغة هو: الإفراط فِي الْمَدْح. وَالْمرَاد بِهِ هَاهُنَا الْمَدْح الْبَاطِل[18]؛ للقرينة التي بعد ذلِكَ، وفيه دليلٌ على براءةِ النبي صلى الله عليه وسلّم مِنْ حَظِّ النفسِ والهوى.

 

الثانية: قوله: (لاَ تُطْرُونِي) نهيٌ مُسْتعملٌ في حقيقةِ معناهُ، وهو الحظر، والمعْنَى: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم حَرَّمَ على النَّاسِ المُبالغةَ في مَدْحِهِ.

وفي النهي اعتبارٌ للمآل، ولأصلِ سدِّ الذرائع؛ وذلِكَ أنَّهُ لَمَّا كانتِ المبالغةُ في المَدْحِ والثناءِ تقودُ إلى التعظيمِ المَذمومِ، والذي قد يوقِعُ أحيانًا في الشرك والكفر نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عَنْهُ، وهو نهيٌ عن ذريعةِ المُنْكر.

 

الثالثة: قوله: (كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ) إخبارٌ عمَّا صارت إليه النصَارى في غُلُوِّهِم بعيسى ابن مريم عليه الصلاةُ والسلام، فإنهم لمَّا بالغُوا في تعظيمِهِ والثَّنَاءِ عليه استزلَّهُمُ الشيطانُ بذلِكَ إلى معتقداتٍ فاسدة، جاء خبرها في القرآن، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 73].

 

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 17].

 

وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30].

 

الرابعة: فَإِن قيل: وَمَا علمنَا أَن أحدًا ادّعى فِي رَسُول الله مَا ادّعى فِي عِيسَى.

فَالْجَوَاب: أَنهم بالغوا فِي تَعْظِيمه، حَتَّى قَالَ معَاذ بن جبل: يَا رَسُول الله، رَأَيْت رجَالًا بِالْيمن يسْجد بَعضهم لبَعض، أَفلا نسجد لَك؟ فَقَالَ: " لَو كنت آمرا بشرا أَن يسْجد لبشر، لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا " فنهاهم عَمَّا عساه يبلغ بهم الْعِبَادَة. ثمَّ لَيْسَ من شَرط النَّهْي أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ قد فعل، وَإِنَّمَا هُوَ منع من أَمر يجوز أَن يَقع [19].

 

قال ابن بطال:  عرفهم ما خشى عليهم جهله، والغلو فيه كما صنعت النصارى في قولهم لعيسى أنه ابن الله عز وجل[20].

 

قلتُ: ولئلا يقودَهُمْ الإطراءُ بالنبي صلى الله عليه وسلّم   إلى ما صارت إليه النصارى من الشرك الذي كان بسبب ذلك.

 

الخامسة: قوله: (فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ) فيه إظهارٌ لحقيقةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنَّهُ عبدٌ وليسَ إلهًا، وليسَ ابنَ إله، كما زعمت اليهودُ في المسيح، وزعمت اليهودُ في العُزَيْر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم متصفٌ بصفاتِ العَبْدِ، فإنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويشعر بالجوعِ وبالشبعِ، ويشعر بالدفءِ وبالبردِ، وبالصحةِ وبالمرض، وينام ويقوم ويصوم ويفطر ويتزوج النساء، ويرِدُ عليه الموت والفناء، فلا تغب عنكم حقيقةُ أمره صلى الله عليه وسلم.

 

السادسة: قوله: (فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) أمرٌ بالاعتقادِ والإقرار أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم عبدُ اللهِ الخاضعُ لعظمتِهِ والمنقادُ لأمره، والمسبحُ بحمده، والمُعَظِّم لشعائره، والمحافظُ على فرائضه، والوقَّافُ عند حدوده، وأنَّه نبيُّهُ ورسوله، يخبرُ الناس بخبرِ السماء، ويُبَلِّغهم رسالة اللهِ تعالى، ويعلمهم أحكامَ شريعته، ويدعوهم إلى عبادته، ويذكرهم بحقه عليهم.

والأمرُ بذلِكَ حقيقةٌ في الوجوب الذي لا يقبلُ الله تعالى من أحدٍ جحودَهُ أو مجاوزته.

 

ثم ذكر حديثَ:

ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" [أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (9534) (5/ 207)].

 

وقد أتى بهِ على وجهِ الاختصار، ونصُّهُ في المسندِ عندَ أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ» مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ بِيَدِهِ - فَأَشَارَ يَحْيَى أَنَّهُ رَفَعَهَا - وَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ»[21].

 

في الحديثِ فوائد:

الأولى: قوله (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ) أداةُ تحذيرٍ وتخويف، وتستعملُ غالبًا في الشرِّ.

 

الثانية:  قوله (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ) تحذيرٌ من النبي صلى الله عليه وسلّم لأمته من الغلوِّ؛ فإنه عظيمُ الخطرِ على الدينِ والنفس، والغُلُوُّ في الحديثِ: اسم جنسٍ يشملُ أفرادَ الماهيَّة المختلفة في العوارض، فيشملُ الغلوَّ في الأقوال والأفعال والمعتقدات، والخطرُ فيها متفاوتٌ تفاوتًا طرديًّا مع رتبةِ موضوعهِ ومَحَلِّهِ.

 

الثالثة: يستفادُ من سبب إيرادِ الحديث أن الغلوَّ المُحَذَّرَ منه متعلقٌ بالدين يؤكده ما جاءَ في روايةِ أحمد: «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ»[22].

 

الرابعة: قوله (فَإِنَّمَا) أداةُ حصرٍ تحصرُ الصفة على الموصوف، والموصوفُ هنا الهلاكُ، والصفةُ هي الغُلُوُّ، والمعنى: ما حصل الهلاكُ إلا بالغُلُوِّ.

 

الخامسة: فيه بيانُ خطرِ الغُلُوِّ، وأنه من أعظمِ أسبابِ هلاك الأفرادِ والشعوب.

 

السادسة: أنَّ ذِكْرَهُ هلاكَ الأمم الغابرة بالغُلُوِّ إثر تحذيره أمته منه أوقعُ في التركِ، وأشدُّ في التحذير، ومثلُهُ: أن يقولَ القائلُ لمحبيه: احذروا الغُلُوَّ، فدونكم الصرعى والهلكى منهم، فانظروا إليهم، واعتبروا مما حلَّ بهم.

 

السابعة: وأخطرُ الغلو ما كان في التوحيدِ؛ لأنه يهدد أصل الإيمان، ألا ترى أنَّ النصارى لمَّا غالوا بعيسى عليه السلام صاروا كفارًا بذلك.

 

ثم قال:

ولمسلم عن ابن مسعود; قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا [أخرجه: مسلم/ صحيحه (2670) (4/ 2055)].

 

في الحديثِ فوائدُ:

الأولى: قوله (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) جمع متنطع، وهو المتعمقُ الغالي، قال النووي: الْمُتَنَطِّعُونَ: أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالُونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ [23].

وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم; مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولاً وفعلاً.

وقال المناوي: هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة [24].

 

الثانية: قوله (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) خبرٌ يُرادُ منه الإنشاء، وهو تحريمُ الغُلُوِّ والتشدُّدِ على غيرِ هُدَى الشرع، ويحتملُ أن يكونَ دعاءً، أي: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يدعو على المتنطعينَ بالهلاك.

 

الثالثة: ذكرُ التنطُّعِ وهو وصفٌ إثر الهلاكِ وهو حكمٌ يفيدُ بدلالةِ الإيماءِ أنَّ التنطُّعَ هو سببُ الهلاك، وقد قال الأصوليون في ذلك: ترتب الحكمِ على المشتق يؤذِنُ بعليَّةِ ما منه الاشتقاق.

 

الرابعة: إفرادُهُ التنطع إثر الهلاكِ فيه مبالغة تقضِي أنَّ أعظمَ الأسبابِ فَتْكًا في الأممِ والأفراد أو أسرع في هلاكِهَا هو الغُلُوُّ والتشدد وإلا فمعلومٌ لكل عاقلٍ أنَّ أسبابَ الهلاكِ عديدةٌ.

 

الخامسة: أنَّ تَكْرارَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ذِكْرَ الحديثِ فيه تأكيدٌ لمعنى الزَّجْر والتخفيف وإحكامِ النفرةِ من التنطع. والله أعلم.


[1] ابن تيمية/ اقتضاء الصراط المستقيم (ص106).

[2] محمد حامد/ ظاهرة الغلو في الدين (ص75).

[3] سورة النساء آية (171).

[4] حسن :  أخرجه أبو داود / سننه ( كتاب الأدب، باب الحسد ) (4/2091) ( 4904).

[5] ضعيف : أخرجه البيهقي/ سننه الكبرى (4/2091) ( 4521)؛  القضاعي/ مسند الشهاب  (2/184) (1147) ؛ ابن المبارك / الزهد (469).

[6] مجد مكي/ المعين على تدبر الكتاب المبين (ص105).

[7] السعدي / تيسير الكريم الرحمن (ص: 216).

[8] سليمان آل الشيخ/ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: 254-255).

[9] مجد مكي/ المعين على تدبر الكتاب المبين (ص571).

[10] أخرجه: البخاري/ صحيحه (4920) (6/ 160).

[11] الطبري/ تفسيره (23/ 303).

[12] أخرجه: ابن أبي حاتم/ تفسيره (18996 ) (10/ 3375).

[13] أخرجه: الفاكهي/ أخبار مكة (68 ) (5/ 139).

[14] إسناده حسن، الطبري/ تفسيره (9/ 27).

[15] أخرجه: البخاري/ صحيحه (4623 ) (6/ 54).

[16] سليمان آل الشيخ/ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: 256-257).

[17]سليمان آل الشيخ/ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: 260-261).

[18]  ابن الجوزي/ كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 65).

[19] ابن الجوزي/ كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 65).

[20] ابن بطال/ شرح صحيح البخاري (8/ 460).

[21] أخرجه: أحمد/ مسنده (3248 )(5/ 298).

[22] صحيح، أخرجه: أحمد/ مسنده (1851) (3/ 351).

[23] النووي/ شرحه على مسلم (16/ 220).

[24] المناوي/ فيض القدير (6/355).

أضف تعليق